الشنقيطي

255

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وهذا المعنى الّذي أشار له هنا جاء في غير هذا الموضع أيضا كقوله في « الواقعة » : لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً ( 25 ) إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً ( 26 ) [ الواقعة : 25 - 26 ] وقد جاء الاستثناء المنقطع في آيات أخر من كتاب اللّه ، كقوله تعالى : ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ الآية : وقوله : وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى ( 19 ) إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى ( 20 ) [ الليل : 19 - 20 ] ، وقوله : لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى [ الدخان : 56 ] ، وكقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ [ النساء : 29 ] الآية ، إلى غير ذلك من الآيات . فكل الاستثناءات المذكورة في هذه الآيات منقطعة . ونظير ذلك من كلام العرب في الاستثناء المنقطع قول نابغة ذبيان : وقفت فيها أصيلا لا أسائلها * عيت جوابا وما بالربّع من أحد إلا الأوارى لأبا ما أبيّنها * والنّؤى كالحوض بالمظلومة الجلد « فالأوارى » التي هي مرابط الخيل ليست من جنس « الأحد » . وقول الفرزدق : وبنت كريم قد نكحنا ولم يكن * لها خاطب إلا السّنان وعامله وقول جران العود : وبلدة ليس بها أنيس * إلّا اليعافير وإلّا العيس « فالسّنان » ليس من جنس « الخاطب » و « اليعافير والعيس » ليس واحد منهما من جنس « الأنيس » . وقول ضرار بن الأزور : أجاهد إذ كان الجهاد غنيمة * وللّه بالعبد المجاهد أعلم عشيّة لا تغني الرّماح مكانها * ولا النيل إلا المشرفيّ المصمّم وبهذا الّذي ذكرنا تعلم صحة وقوع الاستثناء المنقطع كما عليه جماهير الأصوليّين خلافا للإمام أحمد بن حنبل وبعض الشّافعيّة القائلين : بأنّ الاستثناء المنقطع لا يصحّ ، لأنّ الاستثناء إخراج ما دخل في اللّفظ ، وغير جنس المستثنى منه لم يدخل في اللّفظ أصلا حتّى يخرج بالاستثناء . تنبيهات الأول [ تحقيق الفرق بين الاستثناء المتّصل والمنقطع ] - اعلم أنّ تحقيق الفرق بين الاستثناء المتّصل والمنقطع يحصل بأمرين يتحقّق بوجودهما أنّ الاستثناء متّصل ؛ وإن اختلّ واحد منهما فهو منقطع : الأوّل - أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه ، نحو : جاء القوم إلّا زيدا ؛ فإن كان من غير جنسه فهو منقطع ، نحو : جاء القوم إلّا حمارا . والثّاني - أن يكون الحكم على المستثنى بنقيض الحكم على المستثنى منه . ومعلوم أنّ نقيض الإثبات النّفي كالعكس . ومن هنا كان الاستثناء من